ابن الجوزي
131
صفة الصفوة
فغرقت وذهب مني ألفا جزء ، وصرت إلى جزيرة أنا وجاريتي ما رأينا فيها أحدا ، وأخذني العطش فلم أقدر على الماء ، فأجهدت فوضعت رأسي على فخذ جاريتي مستسلما للموت فإذا رجل قد جاءني ومعه كوز . فقال لي : هاه . فأخذت وشربت وسقيت الجارية . ثم مضى فما أدري من أين جاء ولا أين ذهب . أسند المروزي عن عبدان ويحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وخلق كثير يطول ذكرهم . وكان مولده في سنة ثنتين ومائتين ، وتوفي سنة أربع وتسعين . 697 - عبد اللّه بن أحمد محمد الرباطي المروزي لبث مع أمه خمس سنين وهو الذي يقال له ابن شبويه سافر مع أبي تراب النّخشبي ، وكان الجنيد يمدحه ويقول : هو رأس فتيان خراسان . مصعب بن أحمد بن مصعب قال : قدم أبو محمد المروزي إلى بغداد يريد مكة ، وكنت أحب أن أصحبه ، فأتيته واستأذنته في الصحبة فلم يأذن لي في تلك السنة . ثم قدم سنة ثانية وثالثة فأتيته فسلمت عليه وسألته فقال : اعزم على شرط : يكون أحدنا الأمير لا يخالفه الآخر . فقلت أنت الأمير . فقال : لا بل أنت فقلت : أنت أسنّ وأولى . فقال : فلا تعصني . فقلت : نعم . فخرجت معه وكان إذا حضر الطعام يؤثرني فإذا عارضته بشيء قال : ألم أشرط عليك أن لا تخالفني ؟ فكان هذا دأبنا حتى ندمت على صحبته لما يلحق نفسه من الضّرر . فأصابنا في بعض الأيام مطر شديد ونحن نسير فقال لي : يا أبا أحمد اطلب الميل « 1 » . ثم قال لي : اقعد في أصله فأقعدني في أصله وجعل يديه على الميل وهو قائم قد حنا « 2 » عليّ ، وعليه كساء قد تجلل به يظلّني من المطر حتى تمنّيت أنّي لم أخرج معه لما يلحق نفسه من الضرر . فلم يزل هذا دأبه حتى دخل مكة رحمة اللّه عليه .
--> ( 1 ) الميل حجر قائم يبنى للمسافر للاهتداء به وإدراك المسافة وبين كل ميل وآخر مقدار مدى البصر . ( 2 ) حنا عليه عطف وبابه سما وعدا وتحنى عليه أي تعطف مثل تحنن .